فوزي آل سيف

42

أعلام من الأسرة النبوية

عند أهلها.. فكان أهل مكة الذين يحرصون على هذه الجهات يرسلون أبناءهم في وقت مبكر من أعمارهم لكي يكتسبوا اللغة[122]من معدنها الصحيح والأصيل. وقد يحصل أحيانا أن يكون اللبن شحيحا في صدر الأم ــ لمرض أو غير مرض ــ فلا يكتفي الطفل بذلك ويحتاج إلى الاسترضاع. بناء على الرواية المشهورة فقد تم ارتضاع النبي من حليمة السعدية، والتي يظهر من كثير من علماء الإمامية عدم ردها.[123] " روى ابن اسحاق بسنده الى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية انها كانت تقول: انّها خرجت من بلدها مع زوجها الحارث بن عبد العزّى من بني هوازن و معها رضيعها عبد اللّه بن الحارث، و معها نسوة من بني سعد كلّ واحدة منهن تلتمس رضيعا ترضعه ترجو المعروف من أبيه. وذلك في سنة مجدبة لم تبق لهم شيئا، وما أرض أجدب من بلاد بني سعد. فما كان في ثدييها ما يغني صبيّها الرضيع حتّى كانوا ما ينامون ليلهم من بكائه من الجوع، ومعها ناقة لها مسنّة ما ترشح بشي‌ء يغذيهم، وكانت هي على أتان يتخلف عن الركب ضعفا وهزالا. حتّى قدموا الى مكّة، فما بقيت امرأة ممّن مع حليمة الاّ أخذت رضيعا لها سوى حليمة و كلّما كان يعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على امرأة منهن يقال لها انّه يتيم، كانت تأباه ليتمه. وبقيت حليمة لم تأخذ رضيعا، ولم يبق رضيع سوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، قالت حليمة: فقلت لزوجي: واللّه انّي لأكره أن أرجع وأنا بين صواحبي لم آخذ رضيعاً، و اللّه لأذهبنّ الى ذلك اليتيم فلآخذنّه، قال صاحبي: لا عليك أن تفعلي عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته-و ما حملني على أخذه الاّ انّي لم أجد غيره-ورجعت به الى رحلي و وضعته في حجري و أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتّى روي، و شرب معه أخوه فروي. وقام زوجي إلى ناقتنا فإذا ضرعها ملئ باللبن فحلب ما شرب و شربت معه حتّى روينا، فقال لي صاحبي: يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة، فقلت و اللّه اني لأرجو ذلك. ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، فلم نزل نتعرّف من اللّه الزيادة والخير، وكانت غنمي ترجع إلينا بعد العصر شباعا قد امتلأ ضرعها من اللبن، وترجع غنم القوم جياعا لا ترشح بقطرة لبن. و كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه‌ وآله‌ -يشبّ ما لا يشبّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه من الرضاعة حتّى غلظ و اشتدّ جسمه، حتّى إذا مضت سنتاه و فصلته، فقدمنا به على أمّه و نحن أحرص شي‌ء على مكثه فينا لما نرجو من بركته، فكلمنا أمّه فلم نزل بها حتّى ردته معنا فرجعنا به".[124]

--> 122 ) هذا الكلام بالنظر إلى المستوى العام دون النبي صلى الله عليه وآله، الذين كان كاملا، وكان معلمه هو الله تعالى (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) النساء/113 123 ) فمن الروايات ما يستفاد من رواية الكافي 2/161 بشكل غير مباشر: (.. إن رسول الله صلى‌ الله‌عليه ‌وآله أتته أخت له من الرضاعة فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها..) وهي معتبرة بناء على ان الوارد فيها؛ عمار بن خباب (عمار الدهني ).. وأما في أقوال العلماء من المتقدمين، فقد ذكر الشيخ أبو الفتح الكراجكي (ت 449 هـ ) في كنز الفوائد 1/ 72 رضاعه بقوله: وشرف الله تعالى حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية برضاعه وأخصها بتربيته وكانت ذات عقل وفضل فروت من آيات فضله ما يبهر عقول السامعين وأغناها الله ببركته.. الى آخر كلامه، كما ذكر ذلك قطب الدين الراوندي (ت 573 هـ ) في الخرائج والجرائح 1/ 81 ؛ وفصل فيه حديث مجيئها لمكة وأخذها النبي وعرض لشيء من بركاته وكراماته في فترة الرضاعة.. ومثله صنع ابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب 1/32 في نقل القصة.. وشاذان بن جبرئيل القمي (ت 660 هـ ) والطبرسي (ت 548 هـ ) في مجمع البيان 10/383 في تفسير آية (ووجدك ضالا فهدى ) وابو الفتح الأربلي (ت 693 هـ ) في كشف الغمة /15.. كما ذكر ذلك عدد من المعاصرين كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي في الأقسام القرآنية 1/ 232، والشيخ جعفر السبحاني في السيرة المحمدية 1/ 35 ، والسيد جعفر مرتضى العاملي في الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2/ من 68 إلى 91 في مواضع متفرقة .. وغيرهم. 124 ) اليوسفي محمد هادي ؛ موسوعة التاريخ الإسلامي 1/263